. - الفنون الجميلة - غربة وطن.. نقلة فنية في الدراما العراقية
الرئيسية الأخبار محاضرات فن سيرة فنان ذاكرة من صور فريق العمل  

غربة وطن.. نقلة فنية في الدراما العراقية


ابتسام يوسف الطاهر - لندن
عدد القراءات -3225
2011-10-29
اضغظ للحصول على الحجم الطبيعي للصورةبقدر ما حرمتنا الغربة من الكثير مما يتعلق بالوطن، منها متابعة الإبداع الفني التلفزيوني أو المسرحي. بقدر ما كانت احد أسباب تطور رؤيتنا للإبداع من خلال متابعة ما توصلت له السينما والدراما الغربية والعربية بعد النقلة الكبيرة في عالم الفن والتكنولوجيا.
فالدراما العراقية حالها حال السينما مازالت تحبو بالرغم من ولادتها قبل نصف قرن! لا ادعي الخبرة بهذا المجال لكن باعتقادي إن أسباب التأخر في ذلك الفن كثيرة. أولها افتقار المسئولون في السلطة للوعي بأهمية هذا القطاع، أو استغلالها له ليكون بوقا ووسيلة للدعاية لفرض أفكارها. لذلك لا توجد لدينا مؤسسات سينمائية أو تلفزيونية تحتضن ذلك الفن وتطوره وتسوقه، فأي عمل لابد له من مردود معنوي ومادي يكافئه على التعب ويشجعه لتقديم أعمال أخرى أفضل.




ثانيا افتقار العراق لمؤسسات فنية بعيدة عن السلطة أي قطاع خاص من التي تسعى للمنافسة لتقديم ما هو أفضل، كما هو الحال في مصر مثلا. فالمنافسة (الشريفة) هي التي تسرع من عملية التطور في السباق بين الفنانين لتقديم ما هو أجمل. كذلك التمكن من تسويق تلك الأعمال للتلفزيونات العربية وما أكثرها اليوم! فمهما كان الموضوع جميلا ومهماً، إذا لم يقدم بحلة فنية مميزة من تمثيل وتصوير وإخراج، فلن يجد العمل تلفزيونيا كان أو سينمائيا من يشتريه. ويتعرض للفشل حتى لو سعى بعض أصدقاء المنتج أو المخرج لتحسين صورة هذا المسلسل أو ذاك الفيلم. وافتقارنا لمثل تلك المؤسسات هو ما ساهم بالتعتيم على الإبداع العراقي عموما والدراما بشكل خاص. وهذا التعتيم مازال مضروبا على الفن العراقي ماعدا الأعمال التي يخرجها أو ينتجها سوريون أو غير عراقيون!.

السبب الآخر هو تأثر الدراما العراقية بالمسرح، بما أن معظم الممثلين العراقيين اذا لم نقل كلهم هم أبناء المسرح العراقي. فان تمثيلهم لم يخرج من عباءة المسرح الذي يعتمد على المبالغة بالحركة والصوت. بينما في التلفزيون والسينما تلعب الكاميرا دور كبير للتخفيف عن كاهل الممثل فلا يحتاج للصراخ أو الحركة بشكل مبالغ فيها، الأمر الذي يفقده الإقناع والسلاسة.

تلك الأسباب جعلتني غير متحمسة لمتابعة الدراما العراقية. ولكني بقيت أتابع ما يكتب عن المسرح العراقي القطاع الوحيد الذي بقي يتنفس وان تحول منذ التسعينيات لمسرح تهريج وبهدف الكوميديا باحثاً عن المردود المادي الذي كان من الصعب تحقيقه في فترة الحصار، ماعدا أعمال قليلة بقيت حية في ذاكرة المشاهد الواعي العراقي، مثل مسرحية (النهضة) التي أدتها الفنانة المبدعة عواطف السلمان.

بعد انهيار النظام السابق واحتلال العراق، ظهرت أعمال تلفزيونية مختلفة أنتجتها بعض القنوات العراقية التي اسستها شخصيات غنية غير مختصة ولأسباب عديدة، افتقرت تلك الأعمال للحبكة وللمصداقية ولأي جمالية فنية من تصوير أو تمثيل. بل بعضها كان بعيدا عن احترام مشاعر ووعي المشاهد العراقي، ناهيك عن الصورة المخجلة التي قدمتها بعض من تلك الأعمال عن العراق.

وبكل الأحوال يعتبر عام 2011 عام مميز للدراما العراقية كمّا ونوعا. و تبشر بأفق مستقبلي واعد، فشهر رمضان في هذا العام كان متنفسا لأعمال درامية عراقية أكثر من المتوقع، فكان للمشاهد اختيار الأجمل من الناحية الفنية والموضوع.. وقد خلقت المسلسلات العراقية منافسة قوية بين الفضائيات العراقية حيث تسابقت كل منها للفوز بالعرض المتميز والمؤثر. ورغم هذه المنافسة القوية لمس المشاهد أن أحداث بعض المسلسلات غير مستمدة من الواقع ما جعل الأحداث تبدو في معظم الأعمال غير منطقية ومحاطة بهالة من الخيال بعيدة عن الواقع. كما قيل عن مسلسل (الباب الشرقي) و(فاتنة بغداد) و(ابو طبر). وبعضها ممكن ملاحظة التسرع في انجازه مما اثر على انسيابية الحوار والإخراج.

ولأول مرة أتابع مسلسل عراقي بشغف واهتمام. (غربة وطن) للكاتب المبدع سعدي عبد الكريم والمخرج الفنان جلال كامل. المسلسل من إنتاج قناة "العراقيَّة" موضوعه يعود إلى الماضي القريب في التركة المدمرة الَّتي تركها النظام السابق، يسلط الضوء على المآسي الَّتي عانى منها العراق من جميع النواحي لاسيما الناحية الاجتماعية، ففي مسلسل (غربة وطن) تدور الأحداث في أحد أحياء بغداد التي كما لو أرادها الكاتب أن تمثل العراق بمختلف طوائفه وشرائحه الاجتماعية، وتأثير الحرب والحصار الاقتصادي خلال مرحلة التِّسعينيات وآثارها المأساوية على العائلة العراقية. ومعاناة الغربة التي يتقاسمها العراقي في داخل الوطن ومن تغرب مرغما بعيدا عنه.

الإعجاب بالمسلسل ليس فقط لموضوعه المهم، والذي لكل عراقي فيه قصة تصلح لأكثر من دراما وأكثر من فيلم. فقد عرف العراقيون غربة الوطن منذ نهاية السبعينات من القرن الماضي وتعززت الغربة تلك في التسعينات منه، بسبب الحروب المتواصلة والحصار، ومازلنا نعيش تلك الغربة لهذه اللحظة بالتأكيد. وإنما لما لمسته في المسلسل من سلاسة الحوار وحركة الكاميرا بذكاء وأداء الممثلين كلهم تقريبا، لاسيما الممثلة المبدعة (ابتسام فريد) التي أجادت بدورها المميز والأداء المقنع وعيشها لشخصية (أم رحيم) التي تعتقلها سلطات النظام السابق وتعذبها لتجبرها على تقديم ولدها لهم! كذلك الممثلة أنعام الربيعي.

يعتبر هذا المسلسل نقلة رائعة بالدراما العراقية التي أثبتت أنها تنهض بقوة بالرغم من كل العراقيل أهمها فقر الدعم الحكومي للسينما العراقية والدراما. بالرغم من أداء البعض من الفنانين المرتبك والمتلكئ أحيانا، أو طغيان ظلال الحوار المسرحي في بعض المشاهد. المسلسل يشيع الفرح لأنه يكاد أن يكون الأول الذي صورت كل مشاهده في العراق، مما يجعله قريبا من المشاهد العراقي الذي تربطه بتلك الشوارع ذكريات وحنين، بالرغم من الظروف الأمنية الخطرة. وهو ما لم يجده المشاهد في المسلسلات الأخرى التي صور معظمها في دمشق أو القاهرة. فلابد أن يلقى النجاح والصدى الذي يستحقه، وبالرغم من التعتيم الذي مازال مضروبا على الفن العراقي. عسى أن تنتبه وزارة الإعلام ووزارة الثقافة ومؤسسة السينما لقصورها والإسراع بدعمها للدراما العراقية وتسويق الإبداع العراقي.

في حوار لإحدى الصحفيات مع الفنانة ابتسام فريد تقول: "الفنان العراقي مغبون دائماً للأسف الشديد، صحيح انه مبدع لكنّه مغبون وهذه هي المفارقة، أما الفنان العربي فعندما يقدم أي عطاء يجد من يقيم هذا العطاء حق تقييمه وبصورة ممتازة، مما يعطي له الدافع لتقديم الأفضل، أما الفنان العراقي فلم يقيم مجهوده الفني إلا في ما ندر. ونحن لا نطالب بمردود مادي فقط بل نطالب بمردود معنوي يشعر الفنان بأهميته في المجتمع. ولا نكابر، عندما نقول بمردود مادي لان المادة هي التي تجعلك تقدم الأفضل عندما تؤمن وضعك المعيشي، لان الفنان يفترض أن يكون ارفع من هذا المستوى وهذا ما نراه في واقع الفنانين العرب في بلدانهم وسبق أن وجهت أكثر من دعوة للمسئولين انه لابد من انتباهة لوضع الفنان العراقي، لان الفنان يسجل تاريخ بلد وهو مرآة لبلده".

نتوقع لهذا المسلسل النجاح الذي يستحقه، لأنه يعطي صورة مشرقة للدراما العراقية التي عرف عنها ضعف الأداء والإخراج والتمثيل الذي يطغى عليه الأداء المسرحي. وان يسوق للتلفزيونات العربية والعراقية الأخرى، التي لابد أن تنتبه إلى ضرورة التعاون وتبادل الأعمال الدرامية وتبتعد عن التحيز السياسي الذي يضر بالعملية الإبداعية. فلن ينهض الإبداع في كافة المجالات التلفزيونية والتشكيلية ما لم يكن هناك إعلام محايد منحاز للشعب وللفن، بعيدا عن التناحر الحزبي والطائفي.

اضغظ للحصول على الحجم الطبيعي للصورة
 لوحة الـ135 مليون دولار لزوجة رجل الصناعة الثري «غوستافو»» لوحة الـ135 مليون دولار لزوجة رجل الصناعة الثري «غوستافو»
لوحة لرسامة "ايطالية" حول القضية الفلسطينية تثير العالم» لوحة لرسامة "ايطالية" حول القضية الفلسطينية تثير العالم
القراءات -69
جائزة باسم "نجيب محفوظ" في ذكرى ميلاده الـ 106» جائزة باسم "نجيب محفوظ" في ذكرى ميلاده الـ 106
القراءات -111
رحيل الفنان أبو بكر سالم» رحيل الفنان أبو بكر سالم
القراءات -68
بعد عشرون عام
مصر ترفع الستار عن كشف أثري بارز في الأقصر» بعد عشرون عام
مصر ترفع الستار عن كشف أثري بارز في الأقصر

القراءات -166
فن القَطّ العسيري في السعودية ضمن قائمة التراث العالمي» فن القَطّ العسيري في السعودية ضمن قائمة التراث العالمي
القراءات -839
   
موقع الفنون الجميلة - 2009 - 2017